محمد العامري الغزي

132

المطالع البدرية في المنازل الرومية

هما من القرآن قطعا . وأمّا ما نقل عن ابن مسعود أنّه أسقطهما من مصحفه وأنكر كونهما قرآنا ؛ فعنه أجوبة منها أنّ هذا النقل لم يصح عن ابن مسعود كما قال الفخر الرّازيّ وابن حزم في المحلّى وغيرهما ، وعليه شيخ الإسلام [ 69 أ ] محيي الدّين « 1 » النوويّ ، ومنها أنّه إنّما أنكر كتابتهما لا كونهما قرآنا ، لأنّه كانت السّنّة عنده أن لا يكتب في المصحف إلّا ما أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بإثباته فيه ، ولم يجده كتب ذلك ولا سمعه أمر به ، وعليه القاضي أبو بكر وغيره ، واستحسنه ابن حجر وردّ الجواب الأول بصحة النقل عن ابن مسعود بإسقاطهما من مصحفه من طريق أحمد وابنه وابن حبّان والطبرانيّ وغيرهم ، ومنها أنّه لم يستقر عنده القطع بأنهما من القرآن ، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك ، وحاصله أنهما كانتا متواترتين في عصره ، لكنهما لم تتواترا عنده لا أنهما تواترا بعد ذلك ، لما يلزم عليه من أنّ القرآن أو بعضه ليس بمتواتر في الأصل ، وهذا الجواب لابن الصبّاغ وهو حسن . وقال ابن قتيبة في مشكل القرآن : ظن ابن مسعود أنّ المعوذتين ليستا من القرآن لأنه رأى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يعوذ بهما الحسن والحسين رضي الله عنهما فأقام على ظنه ، ولا نقول إنّه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون « 2 » والأنصار [ 69 ب ] ، ومما يؤيد قوله رواية الدارقطنيّ والبزار عنه أنّه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول : إنما أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يتعوّذ بهما فأعجبه ذلك جدا وسألني في كتابته ، ثم عنّ لي كتابة شرح مختصر لطيف على البردة ، فكتبته في مدّة يسيرة ، وسميته « الزّبدة » ، وآخر على آية الكرسي محرّر مطوّل ، ففرغ في مدّة يسيرة وتكمل ، وبيّضت للوزير نسخة بالأوّل ، ففرح بها غاية الفرح ، وسرّ كثيرا وانشرح ، ثم اجتمع به قاضي العسكر قادري جلبي « 3 » ، فكلّمه

--> ( 1 ) سقط اللقلب من ( م ) و ( ع ) . ( 2 ) وردت في ( ع ) : « المهاجرين » . ( 3 ) هو المولى عبد القادر بن محمد الحميدي ، المعروف بقادري جلبي ، عمل في التدريس ثمّ عيّن قاضيا في بروسة سنة 927 ه ، وبعدها بعامين عيّن قاضيا في مدينة إستانبول ، واستمر حتى عام 930 ه حيث عيّن قاضيا لعسكر الأناضول « أناضولي قاضي عسكر » واستمر حتى عزله سنة 944 ه . ( انظر ترجمته في : الشقائق النعمانية 264 ) . أمّا منصب قاضي العسكر فهو الذي كان يعين للفصل بين الجند في أوقات الحرب والسلم .